قصة المهندس الروائي مع الكتابة.. حوار مع عمرو البرسي صاحب رواية “جنوبي آخر”

حوار – علي منصور ومحمد النجار

حكاياتنا تسطرها مواقف حياتنا التي نمر بها، سواءً أكانت تلك المواقف هادئة أو مضطربة، باردة أم ساخنة، تلك المواقف التي تبني بطوبها الصلد أيامُنا لتتكون منازل من ذكريات نمر عليها حين تمسك أيدينا بالقلم.

هكذا كانت قصة “جنوبي آخر”، رواية تحكي غربة راحل، تكشف مكنونها السطور التالية.

  • في البداية، كيف تعرف الجمهور عليك؟

بداية أتوجه بالتحية إلى القائمين على هذا اللقاء وأشكركم على إتاحة الفرصة، أنا عمرو عبد الله برسي وشهرتي عمرو البرسي من مواليد محافظة الأقصر عام 1991 م، مهندس مدني، فأنا خريج كلية الهندسة جامعة الأزهر عام 2014م.

  • مهندس عمرو البرسي، كيف كانت بداية تعلقك بالكتابة، ومتى كانت أول مرة تكتب فيها، وماذا كتبت؟

للإجابة عن سؤالك فأنا أحبذ تقسيم تجربتي والكتابة إلى مرحلتين:

1)- مرحلة التغذية والاستيعاب: وهي تتعلق تعلقا مباشرا بالتعليم الأزهري بداية من حفظ القرآن الكريم وعظيم أثره على ضبط نغمة اللغة في أذن المتلقي، مرورا بمواد اللغة العربية، التي يتلقاها طلبة الأزهر بوجه عام، وتحديدا في حالتي مواد (البلاغة والأدب والنصوص والمطالعة)، والتي كان من حبي لها لا احتسب وقتها من وقت المذاكرة.

وكذلك كانت مكتبة الوالد وهو شيخ أزهري أيضا، والتي وإن كانت تغلب عليها الكتب الدينية، فإن وجود مكتبة في البيت كفيل بجعلك تألف رائحة الكتب.

واخيرا وصولا إلى مرحلة  الجامعة وبداية التعارف مع مكتبات مصر العامة .

ما يربو على الخمسة أعوام من النهل من رحيق كتبها ورواياتها حتى بعد انتهاء أعوام الدراسة، كانت هذه مرحلة التغذية.

2)- مرحلة الإنتاج: كنتيجة طبيعية لكل ما سبق وإذا أضفنا إليه قابلية واستعداد داخلي كان لزاما عليَّ أن اكتب؛ فكانت البدايات مع الشعر في محاولة لمجاراة ما أحفظ من قصيد السابقين تارة، ومحاولات تجديد بالعامية والفصحي تارة أخرى..

كان أول ما كتبت قصيدة هجاء لصديق في المرحلة الثانوية وكانت هذه بدايتي مع الشعر.

أما القصة والرواية فكانت تحتاج إلى مزيد من الهدوء والخلوة، زتوفر كل هذا في فترة خدمة الساحل أثناء تأديتي لسنة التجنيد الإجباري هناك على حافة الحضارة والجنوب؛ فكتبت مذكراتي هناك بعنوان: (أيام الحرس)، والتي لا يسعها النشر؛ لأنه وحيث كتبت هناك فليس كل ما يسمع يقال.

ثم مجموعة من القصص القصيرة نشرت بعضها على مواقع التواصل الاجتماعي ثم كانت مبتدأ الغواية وأول الحكايات الكاملة رواية (الجلبة)، والتي نشرت إلكترونيا على موقع عصير الكتب.

  • نعلم أن مهنة الهندسة أحد المهن الشاقة، فهل تستطيع التوفيق بين العمل وبين هوايتك؟

صعوبة هذه المهنة تتمحور حول شيئين: الأول استهلاك الوقت، والثاني ضغط العمل غير المنطقي، والكتابة على العكس تحتاج أمرين: فراغ الوقت والقليل من الراحة النفسية.

أما الوقت فيمكن توفيره ببعض التنظيم، والراحة النفسية زائر غير منتظم الحضور؛ لذلك أنا لا أكتب الآن إلا القليل وقت السماح بالزيارة فقط.

  • تتحدث مرارًا على صفحات التواصل وفي كتاباتك عن الغربة، لابد أن هذا انعكاس لواقع عشته مسبقًا، فما هي حكايتك مع الغربة؟

هي حكاية عشرة أعوام من الركض في متاهات الحياة اللانهائية مذ سبَّحتُ على عِقْدِها أول مرة، انفرط العِقْد في يدي يومها ولازالت أجمع حباته إلى حين، اركض كالمجنون في أرض الغرابة أنازع هواها واغتال الصَّبابة بداية من عام الاغتراب العظيم 2009.. يوم أن ناداني مناديها أن (قد تم ترشيحكم لهندسة الأزهر بنين القاهرة انتظام) ناداني فلبيت وبعذرية مراهق جنوبي طَعِمتُ النهر المحرم حتى ثملت.

خمس سنوات في حضرة السلطانة ما بين سحر سطوتها وسهو غفلتها وأعراضها عن الخطَّاب كانت القاهرة قَاهِرة هناك حيث بدأ كل شيء.

ثم أُخرى في الأَسر خلف أسوار المعلم الأطغي في حظيرة الوطنية وعلى بساط رمالها الجنوبية في غمرة الثابت والتمام طوابير الهتاف وتناوب الخدمات هناك علمت أن البقاء للأبقى.

ثم هذه الأربع الأخيرة.. سنوات الصراع ما بين غول العمل وشبح خسارات الأمل انغرست في جبهة القتال حتى نسيت كل شيء حتى لماذا أقاتل؟

هذه خمس وواحدة وأربع.. تلك عشرة كاملة.. أعتقد أنها حكايتي والغربة.. وكذا هي حكاية كل جنوبي لبي النداء.

  • اشرح لنا تفاصيل فوز روايتك (جنوبي آخر) في مسابقة بوك بوتيك ببلومانيا للطباعة والنشر، وصف لنا شعورك عند سماع الخبر ؟

عشية يوم عمل طويل إعلان في أحد مجموعات القراءة (مسابقة بوك بوتيك ببلومانيا للنشر والتوزيع)، ارسلُ العمل على العنوان البريدي المرفق، ثم بعد فترة بريد جديد تم ترشيح عملكم للدور نصف النهائي، ثم بريد آخر (نبارك لك فوز العمل في المسابقة).

وعلى حسب ما ذُكر فقد تم تصفية العمل وقراءته أكثر من مرة ثم أُذِنَ له بالفوز من بين أكثر من 400 عمل مقدم.

أما عن شعوري وقتها وكنت لازلت في العمل حين لمعت الرسالة؛ فكانت كنغمة ناي عند اشتياق الروح وسط الضجيج.

كان (فوز روايتكم جنوبي آخر) عنوان رسالة gmail وسط إضراب صراعات العمل غير مصدق في البداية؛ لذلك وعلى غير العادة أعدت قراءة الرسالة مرتين، ثم طلبت من زميل العمل الجالس إلى جواري أن يعيد عليّ قراءة الرسالة فكان رده ( مبروك يا برسي) + عناق إخوة.

  • هل يمكن أن تترك ملخصا عن رواية (جنوبي آخر)؟

كدليل للقارئ، أقول جنوبي آخر.. هي رحلة روحیة واحدة الاتجاه، و مفردة الراكب.. واحدة الاتجاه جنوبا وماضیا لنقل في (ماضي الجنوب).

وواحدة الراكب (سالم) هو على متنها واحد ووحید مفرد وفرید (سالم) الأسواني خریج كلیة الآثار الذي آثر تجارة الجمال على تجارة التاریخ، لكن التاریخ لم یبادله هذا التجاهل.

تبدأ الرحلة من أقصي جنوب البلاد وداني وجدان الحضارة والتاریخ من هناك (على حافة البحیرة).. بحیرة ناصر وفي حرم شاهد رمسیس الثاني.

في البدء كان قیام الرحلة مشاهدات فرعونیة من عصور ما قبل الكلمة حیث اللامنطق هو الحاكم الفرید وسالم هو الشاهد الوحید.

ینطلق سالم في رحلة البحث عن تأویل رؤیاه لیقابل سلسلة من أصحاب الكشوف الروحیة والعلوم: شیخه (عتمان )، ثم الشیخ (صالح) في السودان، ثم شیخ شیخه (الشیخ نوح) صاحب (الخلوة) والدیوان.

وخلال هذه الرحلة یمر سالم بالعدید من المحطات ویقص علینا كثیر من المشاهد والحكایات.. حكایات عن: (البحیرة) شحها وفیضانها، (الأسماك) صناعتها وتهریبها، (حمیثرة) زوارها وسكانها، (فترة التجنید) حلوها ومرها، (السودان) عادات أهلها وأحوال سكانها، (الحرب الأهلیة) أسبابها وأطرافها، (حیاة الأَسْرِ) متاعبها وآثارها، (حملات الفراعنة على الجنوب) نتائجها وأهدافها، وغیرها الكثیر من المشاهد التي تحمل الكثیر من المعلومات والمزید من علامات الاستفهام !!!

خلال الرحلة یفتح سالم ما یقطع به الوقت ویهذب الأفكار.. كتاب عتیق وجده في مكتبة عتیقة .. كتاب (معارج الأسماء) والذي یفتح علیه بوابة أخرى یدخل منها: تاریخ بغداد، عصر المأمون، فتنة خلق القرآن، والكثیر من الإشارات الروحیة في معاني الأسماء.. في المحطة الأخیرة یقابل سالم (الشیخ نوح).. الرجل الذي بصرته السماء.. لیبدأ فصل جدید من الحكایة فصل الجلاء والتجلیات وعلم بواطن الأشیاء.. یقص الشیخ نوح على سالم من نبأ (موسي والخضر) علیهما السلام.. ومن أخبار السحر، وسحرة فرعون، وممالك الجان، یحكي له عن الكنوز المخفیة وخْدَّامها.

وفي النهایة یخبره الشیخ عن تأویل رؤیاه ویفسرها ظاهرا وباطنا أول وآخر.. یا سالم: (ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا) واختم بما ختم به سالم الحكایة فقال: ربما سمعَت عني أن كان الجنوبي قد َصدقَ فحكي عني ما دعاهُ (الجلبة) وربما لم تسمع؛ لأنه قد دارت علیه رُحَى الحیاة فنسي أو لم ینس.. المهم أن تسمع مني عني أنا ( سالم)؛ لأني حُمِّلت ما لا يسعه الكتمان.

  • هل سوق النشر والطباعة في مصر يناسب القاريء والكاتب، أم أنه يهمل أحدهما على حساب الآخر؟

سوق النشر في مصر وكأغلب الأسواق تحول في السنوات الأخيرة إلى سوق تجاري استثماري في المقام الأول بمعني أن التيار السائد هو تيار روايات (الحب، الرعب، الفنتازيا) ومع احترامي لكل ما يُكتب؛ فإن هذا ليس الغرض الأساسي للكتابة.

ماذا ترك إذن ليعرض على الشاشات؟ لذلك وكمحاولة لكسر هذا التيار قدمت هذا العمل (جنوبي آخر).. هذا العمل يسير عكس طوفان الكتابة في السنوات الأخيرة فهو ليس رواية (حب، رعب، فنتازيا).

لا أيها القارئ أنا لا أبيع الحكاية.. (يمكنك مشاهدة هذا على الشاشات).

في هذا العمل: حرصت في كل فصل منه أن أضیف للقارئ  جدید معلومة بحیث في نهایة الروایة يكون قد اجتمع لدیه عدد من المعلومات التاريخية، والاجتماعية، والمزید من المصطلحات اللغویة.

شاهد أيضاً

شبح كورونا يهدد أولمبياد طوكيو 2020.. تفاصيل

  أذاعت فضائية “إكسترا نيوز” مقطع فيديو عن تفاصيل تهديد كورونا الألعاب الأوليمبية والبارالمبية بطوكيو. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.